"إعلام الأزمات" في الأردن.. الغائب الأبرز
إسلام البطوش
ملخص :
في بلد حتّم عليه موقعه أن يتواجد في أكثر مناطق العالم اضطرابا، وفي قلب إقليم أزماته تتناسل، ووسط لهيب الصراعات، ومشاريع التوسع، يبرز دور الإعلام في تهدئة الرأي العام، ونقل الحقيقة كما هي دون تقزيم أو تضخيم.
في الأردن؛ الذي عاش طوال مراحل بنائه بين ألغام الشرق الأوسط، وناور بشهادة القاصي والداني بين تجاذبات وانحيازات السياسة، يعاني اليوم من غياب دور الإعلام الذي يُعزز موقفه، ويدافع عن رواية الدولة، وتحديدا غياب "إعلام الأزمات".
"إعلام الأزمات"، أحد مجالات الإعلام، الذي يركز على إدارة وتوجيه الرسائل الإعلامية أثناء الأزمات، سواء كانت أزمات سياسية، أو اقتصادية، أو أياً كانت، وبكل تبسيط فهو يهدف إلى تقليل الضرر على المؤسسة، أو الدولة، أو الأفراد، لكن ما نشهده اليوم خلاف هذا تماما، فبعض وسائل الإعلام بأشكالها من مكتوب إلى مسموع، ومرئي تنشر أخبارا تربك المواطنين، وتجد عناوينها أو محتواها لا يرقى للاستخدام في الصحف الصفراء.
هذه الإشكاليات المهنية ليست مجرد سقطة إعلامية، بل ثغرة أمنية حقيقية تُسهل الهجوم على الدولة من "طابور خامس" ساقته العاطفة أو الانتماءات الخارجية، أو أجندته ليستبيح بلده مقابل قناعاته بأيدولوجيات، وبروبغندا سياسية تصدرها دول لا تخفى عن المتابع، وتفتح المجال أمام الشائعات، والأخبار المفبركة أو المضللة، وتضع الدولة في موقع الدفاع، بدلًا من صياغة الرواية الرسمية الاستباقية.
ومن أكثر مظاهر تراجع الإعلام تجلياً، والتي تتطلب معالجة فورية، غياب سياسة واضحة لاختيار الضيوف والمحللين الذين يتصدرون الشاشات والمنصات الرقمية، حتى أننا صرنا "بلد المليون خبير"، فالمتحدثون يقدمون تحليلات أقرب إلى الانطباعات الشخصية منها إلى التحليل، وغالبًا ما تفتقر إلى المعلومات الموثقة، والتخصص الدقيق، ما يؤدي إلى تضارب المعلومات، وتشتيت الجمهور، ودون مواربة أو مجاملة إن ضبط الإيقاع الإعلامي في هذا السياق ليس تقييدًا لحرية التعبير والإعلام، بل مطلب سيادي وأخلاقي لإعادة الثقة بالمؤسسة الإعلامية الوطنية.
أضف إلى ذلك أن محتوى منصات التواصل الاجتماعي صار مصدرا للمعلومات، تتلاشى فيه الحدود المهنية بين "الناشر المحترف"، و"الناشط"، و"الناقل المُغرر به"، الأمر الذي يُعرض الدولة لمخاطر الاختراق المعلوماتي، وهنا تتطلب السيطرة على هذا الفضاء استراتيجيات رقمية، وبناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين ما هو موثوق وما هو محض افتراء، ولن يتم ذلك إلا باستخدام لغة خطاب تتسق مع أنماط تلقي المعلومات لدى الأجيال الشابة مستخدمة لغتهم وأدواتهم، بالإضافة إلى الاستمرار في تعميم تجربة "الدراية الإعلامية" أو "التربية الإعلامية" في المدارس والجامعات، وحتى في المجتمعات المحلية.
لكن ما يدعو إلى التفاؤل، نجاحات الوحدات الإعلامية في القوات المسلحة الأردنية والأمن العام كنموذج يُحتذى به، فهي طبقت مفاهيم إعلام الأزمات بحرفية، من خلال بيانات مفصلة، ضمن أطر زمنية مناسبة، وشفافية عززت ثقة المواطنين فيها، وهذا النموذج يحتاجه الإعلام الخاص والحكومي، وباقي مؤسسات الدولة لردم فجوة الثقة، ليتجاوز الإعلام مهمة نقل الأحداث والأخبار فقط ليصبح شريكا في "إدارة ذكية للرأي العام".
أمام الإعلام الأردني فرصة لإعادة تعريف دوره، من ناقل للأخبار إلى شريك استراتيجي في حماية استقرار الدولة، فيقع على عاتقه تفعيل عناصر إعلام الأزمات، بدءا برسم خطة واضحة للتواصل، ومرورا بسرعة نشر المعلومات الصحيحة التي تقلل من انتشار الشائعات، وعدم إخفاء الحقائق الذي يعزز ثقة الجمهور بها، وانتهاءً بمتابعة ردود فعل المتلقي لتعديل الرسائل إذا لزم الأمر، ولنكن منصفين، فالكفاءات الأردنية متوفرة، والإعلام الأردني قادر على التطور.
والحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد، أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية والاقتصادية، بل بقدرتها على إدارة المعلومة، وصياغة رواية وطنية رصينة.





