هل تتحول الشراكة الأمريكية–الإسرائيلية إلى عبء إستراتيجي؟

ملخص :
حذّر الخبير في الأمن العالمي والموظف السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، جون ألترمان، من تداعيات التقارب غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أن الإدارات الأمريكية المقبلة قد تضطر لقضاء سنوات طويلة في معالجة الأضرار التي خلّفها هذا النهج.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، أشار ألترمان إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، التي طالما استندت إلى مبدأ "المكاسب المتبادلة"، باتت اليوم مهددة بالتحول إلى "خسارة مشتركة"، نتيجة تجاوز حدود التنسيق التقليدي إلى اندماج عسكري شبه كامل.
سابقة عسكرية غير معهودة
لفت ألترمان إلى أن الحرب الأخيرة على إيران شكّلت محطة فارقة في تاريخ التعاون العسكري بين البلدين، إذ لم يسبق خلال 75 عاماً أن خاض الجيشان الأمريكي والإسرائيلي حملة عسكرية مشتركة بهذا المستوى من التكامل، شملت التخطيط والتنفيذ والقيادة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
هذا التحول يعكس، وفق الكاتب، انتقال العلاقة من شراكة دعم إلى تحالف عملياتي مباشر، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود الدور الأمريكي في النزاعات الإقليمية.
انقلاب في الأدوار الإستراتيجية
على مدى عقود، اعتمدت إسرائيل على نهج عسكري صارم في مواجهة خصومها، بينما اتجهت الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حروب طويلة في الشرق الأوسط، إلى تقليص انخراطها الخارجي والتركيز على أولوياتها الداخلية.
غير أن هذه المعادلة شهدت تحولاً لافتاً مع تبني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاربة أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية تجاه إيران، حيث دعمت واشنطن تل أبيب بشكل مباشر في حرب استمرت 12 يوماً، بما في ذلك تنفيذ ضربات عسكرية في يونيو/حزيران الماضي.
مخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة
يحذر ألترمان من أن هذا النهج قد يدفع الولايات المتحدة نحو سلسلة ممتدة من العمليات العسكرية، بما يعيد إنتاج سيناريوهات الانخراط الطويل والمكلف في نزاعات الشرق الأوسط، موضحا أن التماهي الكامل مع الأجندة الإسرائيلية، دون إطار إستراتيجي واضح، يفاقم من احتمالات التورط في أزمات يصعب احتواؤها.
جذور التقارب: أمن إقليمي واتفاقيات جديدة
يعزو الخبير الأمريكي هذا التقارب إلى عاملين رئيسيين: التهديدات الأمنية التي تمثلها إيران، والتغيرات الجيوسياسية التي أفرزتها اتفاقيات أبراهام، والتي فتحت المجال أمام تنسيق أوسع بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة.
كما أتاح هذا الواقع لإسرائيل تعزيز تعاونها مع القيادة المركزية الأمريكية، بعد أن كانت تندرج سابقاً ضمن القيادة الأوروبية، ما سهّل عمليات التخطيط والتدريب المشترك.
تنسيق غير مسبوق يفوق أقرب الحلفاء
يشير ألترمان إلى أن مستوى التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب بلغ درجة غير مسبوقة، متجاوزاً في بعض جوانبه مستوى التعاون مع أقرب الحلفاء التقليديين، باستثناء التجربة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد تُرجم هذا التنسيق عملياً في العمليات العسكرية ضد إيران، التي نُفذت بتكامل عالٍ بين الطرفين.
كلفة إستراتيجية باهظة وغموض في الأهداف
رغم هذا التماسك العملياتي، يرى الكاتب أن التحالف الجديد يحمل كلفة إستراتيجية مرتفعة، إذ انحازت واشنطن بشكل شبه كامل للأهداف العسكرية الإسرائيلية، دون وضوح كافٍ في رؤيتها الخاصة، شارحا أن هذا التباين في الأهداف خلق حالة من الغموض بشأن الغاية النهائية للحرب، ما أضعف الرسائل السياسية الأمريكية وأربك حلفاءها.
ارتدادات إقليمية ودولية مقلقة
وأدى هذا الغموض إلى تصاعد القلق لدى شركاء الولايات المتحدة، الذين وجد بعضهم نفسه متأثراً بشكل مباشر بتداعيات الحرب، سواء عبر استهداف البنية التحتية أو ارتفاع أسعار الطاقة أو تنامي المخاوف الأمنية.
كما تستعد دول الجوار لاحتمالات متعددة، تشمل تدفقات اللاجئين، وتصاعد النزاعات بالوكالة، وتعثر خطط التنمية الاقتصادية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
تآكل الصورة الأمريكية عالمياً
وبحسب ألترمان، فإن انخراط واشنطن في الحرب إلى جانب إسرائيل أضرّ بصورتها الدولية، حيث بات يُنظر إليها كطرف يساهم في تأجيج الأزمات بدلاً من احتوائها، مضيفا أن سلوك الولايات المتحدة بات، في نظر كثيرين، أقرب إلى النهج الإسرائيلي القائم على المبادرة بالهجوم، ما أثار استياءً متزايداً لدى حكومات في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
تداعيات داخلية على السياسة الأمريكية
لم تقتصر التداعيات على الساحة الخارجية، إذ انعكس هذا التوجه على الداخل الأمريكي، حيث تحوّلت السياسة الخارجية إلى عبء سياسي داخلي، مع تزايد الجدل حول جدوى الدعم غير المشروط لإسرائيل، ومن شأن هذا التحول أن يسرّع من تراجع التأييد الشعبي للتحالف، ويعمّق الانقسامات داخل المجتمع السياسي الأمريكي.
من تحالف مربح إلى معادلة خاسرة؟
ويختتم ألترمان تحليله بالتأكيد على أن التقارب الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس جديداً في حد ذاته، لكن السياق الحالي يختلف جذرياً، إذ تخلت واشنطن عن سياسة النأي النسبي عن الصراعات الإسرائيلية، وانخرطت بشكل مباشر في المواجهة، مبينا أن هذا التحول تجاوز حدود "القرب المقبول"، لينذر بتحويل التحالف من علاقة قائمة على المصالح المشتركة إلى معادلة قد تفرض خسائر متبادلة على الطرفين.





