استطلاع لموقع "بوليتيكو": سمعة الولايات المتحدة أسوأ مما يعتقد مواطنوها

ملخص :
أظهر استطلاع رأي أجراه موقع "بوليتيكو" عن اتساع الفجوة بين نظرة الأمريكيين إلى مكانة بلادهم في العالم، وبين تقييم مواطني عدد من أبرز الحلفاء الغربيين للدور الأمريكي، مشيرا إلى أن الصورة العالمية للولايات المتحدة تبدو أكثر سلبية مما يتصوره قطاع واسع من الأمريكيين أنفسهم.
وشمل الاستطلاع خمس دول غربية كبرى هي أميركا، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وكندا، حيث عكس نتائجه تباينًا واضحًا في تقييم الدور الأمريكي وتأثيره في النظام الدولي.
منهجية الاستطلاع وحجم العينة
أُجري الاستطلاع خلال الفترة من 6 إلى 9 فبراير/شباط الماضي عبر الإنترنت، وشارك فيه 10289 بالغًا من الدول الخمس المشمولة، وتضمنت العينة ما لا يقل عن ألفي مشارك من كل دولة، فيما خضعت النتائج لعمليات ترجيح إحصائية لضمان تمثيلها الدقيق لمختلف الشرائح السكانية، بما يشمل الفئات العمرية والتوزيع الجغرافي والجنس.
وحرصت هذه المنهجية إلى محاولة تقديم قراءة متوازنة لاتجاهات الرأي العام في الدول المعنية بشأن صورة الولايات المتحدة ودورها العالمي.
الانقسام الحزبي داخل الولايات المتحدة
أبرز الاستطلاع أن تقييم الأمريكيين لبلادهم على الساحة الدولية يتأثر بدرجة كبيرة بالانقسام السياسي الداخلي؛ فقد أظهر الناخبون الذين دعموا الرئيس الأمريكي ترامب في انتخابات 2024 ميلاً إلى تقديم تقييمات مرتفعة للغاية لدور الولايات المتحدة ومكانتها الدولية.
في المقابل، جاءت آراء الناخبين الذين أيدوا المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس أكثر تشاؤمًا، إذ بدت تقييماتهم أقرب إلى وجهات نظر مواطني الدول الحليفة، الذين عبّروا عن قدر أكبر من القلق إزاء السياسات الأمريكية في السنوات الأخيرة.
ووصف موقع "بوليتيكو" هذا التباين بأنه يعكس حالة من "الانفصال الإدراكي"، حيث يبدو الأمريكيون -وفق تعبير الموقع- وكأنهم يعيشون في "جزيرة معزولة" عن التصورات السائدة لدى حلفائهم بشأن دور بلادهم في العالم.
قلق متزايد لدى الحلفاء الغربيين
لم يقتصر التباين في النظرة إلى الولايات المتحدة على المشاركين في الاستطلاع، بل امتد أيضًا إلى مواقف عدد من القادة السياسيين في أوروبا وكندا، إذ أعرب كثير منهم عن مخاوف متزايدة حيال توجهات إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما ما يتعلق بإعادة النظر في منظومة التحالفات التقليدية التي تشكلت على مدى عقود، وتشير هذه المخاوف إلى قلق أوسع بشأن مستقبل الشراكات الأمنية والسياسية التي شكّلت أساس النظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
صورة الديمقراطية الأمريكية تحت المجهر
لطالما قدّمت واشنطن نفسها بوصفها مدافعًا رئيسيًا عن الديمقراطية، سواء على الصعيد الداخلي أو في سياستها الخارجية، غير أن نتائج الاستطلاع تشير إلى تراجع هذه الصورة لدى عدد من الحلفاء، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى استمرار الولايات المتحدة في الدفاع عن المبادئ الديمقراطية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تطور سياسي حديث زاد من حدة الجدل، تمثل في احتجاز القوات الأمريكية مطلع العام الجاري للرئيس الفنزويلي مادورو، على خلفية اتهامات تتعلق بجدل حول الانتخابات التي فاز بها.
ورغم تبرير واشنطن تلك الخطوة بعدة اعتبارات سياسية وقانونية، فإن بعض الخبراء وعددًا من الحلفاء شككوا في مشروعية هذا التدخل، ما أضاف مزيدًا من التساؤلات حول النهج الأمريكي في التعامل مع قضايا الديمقراطية حول العالم.
من قوة للاستقرار إلى مصدر قلق
تناول الاستطلاع كذلك تصورات المشاركين بشأن دور الولايات المتحدة في تعزيز الاستقرار العالمي، وأظهرت النتائج أن عدداً متزايداً من مواطني الدول الحليفة لم يعودوا يرون واشنطن باعتبارها الضامن الأول للاستقرار الدولي.
ويعزو التقرير هذا التحول جزئياً إلى السياسات التجارية لإدارة ترامب، بما في ذلك الرسوم الجمركية المرتفعة التي طالت عدداً من الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين، إضافة إلى الخطاب السياسي الحاد الذي استهدف بعض الحلفاء التقليديين.
وقد أدى ذلك، وفق نتائج الاستطلاع، إلى تزايد الشكوك حول مدى موثوقية الولايات المتحدة كشريك اقتصادي وأمني، ففي كندا، على سبيل المثال، اعتبر 43% من المشاركين أن الولايات المتحدة تمثل في الغالب تهديدًا للاستقرار العالمي، وهي نسبة تعكس تحولاً ملحوظًا في النظرة إلى الدور الأمريكي.
تشكيك في القيادة الأمريكية للنظام الدولي
استشهد التقرير كذلك بالأجواء التي سادت خلال انعقاد مؤتمر ميونخ الشهر الماضي، حيث عبّر عدد من القادة والمسؤولين الدوليين علنًا عن شكوكهم إزاء موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي الراهن.
وأظهر هذا النقاش أن صورة القيادة الأمريكية لم تعد محل إجماع بين الحلفاء، في ظل التحولات التي طرأت على السياسات الخارجية والاقتصادية لواشنطن خلال السنوات الأخيرة.
تراجع الثقة في أوقات الأزمات
من أبرز نتائج الاستطلاع أيضًا أن شريحة واسعة من مواطني الدول الحليفة لم تعد ترى الولايات المتحدة شريكًا يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات، فقد عبّر 57% من المشاركين في كندا عن اعتقادهم بعدم إمكانية التعويل على واشنطن في الظروف الحرجة، فيما بلغت النسبة 51% في ألمانيا، كما سادت آراء مماثلة في فرنسا بنسبة 47%، وفي المملكة المتحدة بنسبة 42%.
وتشير هذه الأرقام إلى تراجع ملموس في مستوى الثقة بالحليف الأمريكي، مقارنة بما كان عليه الوضع في العقود السابقة.
توترات متزايدة مع الحلفاء
يضع موقع "بوليتيكو" هذه المؤشرات في إطار أوسع من التوترات السياسية التي شهدتها العلاقات بين واشنطن وعدد من حلفائها الغربيين، فقد دخلت إدارة ترامب في خلافات متكررة مع شركائها بشأن قضايا مثل الإنفاق الدفاعي، والتجارة الدولية، ومستقبل ترتيبات الأمن الجماعي.
وقد ساهمت هذه الخلافات في تغذية الشكوك داخل أوروبا بشأن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها، وأثارت تساؤلات متزايدة حول مدى استمرارية الدور القيادي الأمريكي داخل المنظومة الغربية.





