إنتاج الكرتون للأطفال في الأردن: التحديات والفرص

ملخص :
ضعف واضح في إنتاج الكرتون الموجّه للأطفال في الأردن، رغم التجارب الفردية المحدودة والمحاولات المتفرقة، ومع ازدياد وصول التكنولوجيا إلى الأطفال، أصبح هناك حاجة ملحة لإنتاج محتوى محلي يعكس الهوية الأردنية والثقافة العربية، فهو يعزّز القيم التربوية لدى الطفل، من خلال مقابلات مع خبراء في المجال الفني والتربوي والإعلامي.
مفهوم الإعلام الموجه للطفل
هو كل نوع من وسائل الإعلام سواء كانت برامج تلفزيونية، أو أفلام كرتونية، أو تطبيقات، h, ألعاب رقمية، أو محتوى رقمي على الإنترنت، يتم تصميمه خصيصًا ليناسب الفئة العمرية للأطفال، والهدف الأساسي منه ليس الترفيه فقط، بل تقديم محتوى تعليمي، وترفيهي، وثقافي يساهم في تنمية الطفل عقليًا، واجتماعيًا، وأخلاقيًا.
خصائص الإعلام الموجّه للطفل
- الملاءمة العمرية: إذ يكون المحتوى مناسبًا لعمر الطفل من حيث اللغة، والأفكار، والمفاهيم المعروضة، بحيث يفهم الطفل الرسائل دون أن تتجاوز قدراته الإدراكية.
- الجانب التعليمي: يشمل تعلم المهارات الأساسية مثل القراءة والرياضيات والعلوم، وأيضًا تطوير مهارات التفكير النقدي والذكاء العاطفي.
- القيم والسلوكيات: يهدف إلى تعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية المرغوبة، مثل التعاون، والاحترام، والصدق، والانتماء الثقافي.
- التفاعل والجاذبية: إذ يعتمد على أساليب جذابة للطفل مثل الرسوم المتحركة، الشخصيات الكرتونية، والألعاب التعليمية، والموسيقى، لضمان تفاعل الطفل ومشاركته الفعّالة مع المحتوى.
- الرقابة والأمان: يجب أن يكون المحتوى آمنًا من أي مشاهد عنيفة أو غير مناسبة، وإن يُقدّم بطريقة تحمي الطفل نفسيًا وسلوكيًا.
أهمية الإعلام الموجّه للطفل
- تنمية الشخصية: مثل تعزيز الثقة بالنفس، ومهارات التواصل، والتحكم بالعواطف.
- تعليم القيم الثقافية: مثل الانتماء الوطني، واحترام التقاليد، والوعي بالهوية الثقافية.
- التعلم المبكر: كالمساعدة على تعلم مهارات معرفية وأساسية قبل دخول المدرسة.
- تأثير سلوكي إيجابي: من أجل حماية الطفل من التعرض لمحتوى غير مناسب قد يؤثر على سلوكه أو نظرته للعالم.
دراسات وابحاث
تشير دراسة تحليلية منشورة في المجلّة الليبية لبحوث الإعلام إلى أن الإعلام الموجّه للطفل، خاصة الإعلام المرئي مثل التلفزيون واليوتيوب، لا يقتصر دوره على الترفيه فقط، بل يغرس قيمًا معينة في الطفل ويتأثر به سلوكيًا، وأن الأطفال غالبًا ما يقلدون ما يتعرضون له عبر هذه الوسائل، وتضيف الدراسة أن هذا النوع من الإعلام يمكن أن يساهم في تعزيز القيم الجميلة الفاضلة إذا أُعد بطريقة مناسبة، مما يجعل إعداد استراتيجيات واضحة لمحتوى إعلام الطفل أمرًا مهمًا للمجتمع
كما تؤكد أبحاث أخرى أن التلفزيون يمكن أن يلعب دورًا تربويًا مهمًا في تنشئة الطفل، من خلال تلبية احتياجاته التعليمية وتنمية مهاراته الفكرية والاجتماعية، بشرط أن تكون البرامج معدّة بعناية لتعكس قيم المجتمع وثقافته
أسباب تراجع الإنتاج المحلي
يشير مصطفى مرايات، مدير ومؤسس شركة (طماطم) للإنتاج الفني، إلى أن ارتفاع تكلفة الإنتاج يمثل العقبة الأكبر، فالقنوات المحلية غالبًا تفضّل شراء محتوى جاهز ومدبلج من الخارج، لأنه أقل تكلفة بكثير من إنتاج عمل أصلي، مضيفا إلى أن القنوات تهتم أكثر بالمشاهدات والإعلانات، بينما الطفل لا يمثل محور اهتمامها الرئيسي.
من جانبه، يوضح الاعلامي وكاتب أطفال د. محمود الرجبي، أن غياب الدعم الحكومي يحول دون وجود صناعة كرتون محلية مستمرة، ويعتبر أن إنتاج الكرتون للأطفال جزء من القوة الناعمة للدولة، وأنه يضيف قيمة معرفية وثقافية مهمة، مشددًا على أن تبنّي الحكومة لهذه المشاريع ضروري لضمان استمرارها وتحقيق تأثير فعلي على الأطفال.
تأثير غياب المحتوى المحلي على الطفل
وهنا، تشير رنا الحاج عيسى، مديرة مدرسة سابقة وماجستير تربية خاصة، إلى أن غياب محتوى كرتوني محلي يعكس ثقافة الطفل يؤثر على سلوك الطفل، وأن البرامج الأجنبية أو الألعاب غير المتوافقة مع القيم الأسرية قد تؤدي إلى تبني سلوكيات غير مرغوبة، مثل العنف أو تقليد الحركات الخطرة، بينما المحتوى المتوافق مع الثقافة المحلية يعزّز القيم الأخلاقية ويساهم في تنشئة اجتماعية متوازنة، مضيفة أن الرقابة الأسرية ودور المدرسة في توجيه الطفل نحو محتوى مناسب أساسيان، فالطفل يحتاج إلى بيئة متكاملة من البيت والمدرسة والمحتوى الإعلامي الذي يشاهده ليتمكّن من تكوين شخصية متوازنة.
دور المدرسة والمؤسسات التربوية
وتؤكد رنا الحاج عيسى على أهمية دمج القيم التربوية والأخلاقية في المدرسة، من خلال الأنشطة والبرامج التي تنمي شخصية الطالب وتعمل على تطوير ذكائه العاطفي، مشيرة إلى أن المدارس تختلف في سياساتها وبرامجها، لذلك يبقى دور الأسرة مهمًا في اختيار المدارس التي تتوافق قيمها مع قيم الأسرة، لضمان نقل الرسائل الصحيحة للطلاب.
كما يمكن للمدرسة أن تدعم الطفل في تعزيز ثقافته وهويته من خلال برامج تعليمية وترفيهية قصيرة، بالإضافة إلى مبادرات خارج المنهج الرسمي، وذلك لتحقيق توازن بين التعليم الأكاديمي وتطوير الشخصية.
بدائل المنصات الرقمية
مع ضعف الإنتاج التلفزيوني التقليدي، توفّر المنصات الرقمية مثل يوتيوب والتطبيقات التعليمية بدائل مهمة، ويوضح مصطفى مرايات أن هذه المنصات تسمح بإنتاج حلقات قصيرة وبتكلفة أقل، وتتيح بوصول المحتوى مباشرة للأطفال، ومع ذلك، يبقى تحدي الجودة والربحية قائمًا، لأن إنتاج كمية كبيرة من دقائق الأنيميشن يحتاج موارد ضخمة قد لا تغطيها العوائد.
ويضيف د. محمود الرجبي أن التلفزيون التقليدي سيظل موجودًا، لكنه يتجه الآن إلى التكيف مع العصر الرقمي، بحيث يتم الترويج للمحتوى التلفزيوني عبر المنصات الرقمية، ما يعزز وصوله للأطفال ويزيد فرص التفاعل مع المحتوى.
خطوات النهوض بإنتاج الكرتون المحلي
- الدعم الحكومي: يشدد د. محمود الرجبي على أن الحكومة يجب أن تدرك أن إنتاج الكرتون جزء من القوة الناعمة، وتوفر تمويلًا للمشاريع الكبيرة التي تضيف قيمة معرفية وثقافية للأطفال، بعيدًا عن المحسوبية والواسطة.
- الاستثمار في الإنتاج المحلي: يرى مصطفى مرايات أن تدريب الشباب المنتجين واستخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقلل الكلفة ويزيد كفاءة الإنتاج، مع خلق فرص عمل مستدامة.
- دمج القيم التربوية والثقافية: توضح رنا الحاج عيسى أن المحتوى يجب أن يعكس الثقافة والهوية الأردنية ويعزز القيم الأخلاقية، لضمان أن الطفل ينشأ بشخصية متوازنة وقادرة على احترام الآخرين.
- استخدام المنصات الرقمية بذكاء: يمكن للمنصات أن تكون بديلاً أو مكملًا للإنتاج التلفزيوني، إذا تم تصميم محتوى قصير وجذاب يناسب البيئة الرقمية ويصل مباشرة إلى الأطفال.
- الاستدامة الاقتصادية: تؤكد الشخصيات المذكورة سابقا على أن إنشاء مشاريع إنتاج محلية قوية سيخلق فرص عمل ويعزز القطاع الإبداعي، ما يدعم الاستمرارية ويضمن محتوى محلي مستدام
في ظل كل ما سبق، يبقى السؤال المهم: هل سنتمكن قريبًا من رؤية إنتاج كرتوني أردني يعبّر عن ثقافة وهوية الطفل ويقدّم محتوى ممتعًا وتعليميًا في آن واحد؟ إن المستقبل بيد صناع القرار، والمؤسسات التعليمية، والمبدعين، والأسر، وكل من يهتم بتنشئة جيل واعٍ ومتوازن؛ فهل سنخطو الخطوة التالية نحو إعلام محلي يعتز الطفل به؟





