على غرار حصار العراق.. كوبا تعاني الأمريّن من حصار أميركي خانق

ملخص :
لم تتوقف تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكوبا، الجزيرة التي تعاني منذ عقود تحت وطأة حصار اقتصادي خانق تفرضه واشنطن، مخلفة أزمة إنسانية حادة في شتى مجالات الحياة، ويأتي هذا التصعيد في سياق سعي الإدارة الأمريكية لإسقاط الحكومة الكوبية، رغم تركيزها في الوقت نفسه على الصراع مع إيران.
ويشير مراقبون إلى أن مسار الضغط الأمريكي على كوبا يتشابه مع الاستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة في العراق، حيث فرض حصار دام 13 عاماً، أدى إلى حرمان العراقيين من الغذاء والدواء، وانتهى بغزو البلاد عام 2003، ما أسفر عن وفاة ما يُقدر بمليون ونصف المليون شخص.
انقطاع النفط وخطر المجاعة
شهدت كوبا بداية هذا العام أزمة نفطية حادة بعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، وتهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول المصدّرة للنفط إلى هافانا، وقد نجحت هذه التهديدات في إرغام دول مثل المكسيك على وقف شحنات النفط، بعد أن كانت تزود الجزيرة بما يقارب 44% من احتياجاتها النفطية.
ومع توقيف إمدادات النفط من فنزويلا عقب اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، أصبح النظام الكوبي محاصراً أكثر من أي وقت مضى، بينما يواصل ترامب تحميل الحكومة الكوبية مسؤولية الأزمة الاقتصادية، مطالباً إياها بالتفاوض المباشر مع واشنطن.
التهديد العسكري الأمريكي وإصرار البيت الأبيض
على الرغم من بدء مفاوضات بين الولايات المتحدة وكوبا خلال الأسابيع الأخيرة، ألمح ترامب إلى إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية قائلاً: "لقد بنيت هذا الجيش العظيم، وقلت لن تضطروا أبداً إلى استخدامه، ولكن في بعض الأحيان يجب عليكم استخدامه، وكوبا هي التالية -بعد إيران- بالمناسبة."
ونقلت وسائل إعلام أمريكية، منها موقع "بوليتيكو"، أن البيت الأبيض خفّض أولوية الملف الكوبي في سياق التركيز على الحرب مع إيران، لكنه يظل مصمماً على تغيير النظام السياسي والاقتصادي في هافانا.
الحياة اليومية تتداعى: الكهرباء، الغذاء والخدمات الأساسية
يواجه نحو 11 مليون كوبي معاناة متفاقمة جراء انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتوقف المدارس والمستشفيات، وتعطّل النقل والحركة التجارية، ما ينذر بخطر حدوث مجاعة، وفي 22 مارس/آذار الماضي، انهارت شبكة الكهرباء في كوبا للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، مع تأكيد السلطات أن العقوبات الأمريكية تعيق جهود إصلاح البنية التحتية المتدهورة.
وبحسب تحقيق صحيفة "نيويورك تايمز" المستند إلى بيانات الملاحة وصور الأقمار الصناعية، باتت الجزيرة على حافة أزمة إنسانية خانقة مع نفاد مخزونات الوقود، واستيلاء الجيش الأمريكي على سفن داعمة للجزيرة، فيما تعاني السفن الأخرى صعوبة العثور على الوقود.
وتتفاقم الأزمة مع تراكم القمامة في الشوارع وارتفاع أسعار الغذاء، وتعطل المستشفيات عن إجراء العمليات الجراحية بسبب انقطاع الكهرباء، فضلاً عن توقف مضخات المياه نتيجة نقص الديزل.
انهيار قطاع السياحة وتأثيره على الاقتصاد
يعد قطاع السياحة مصدراً حيوياً للنقد الأجنبي في كوبا، لكنه شهد اضطراباً كبيراً بفعل نقص الوقود، وأظهر استطلاع لـ "رويترز" أن أنشطة الفنادق وشركات السياحة والطيران تعطلت تقريباً، ما يهدد الاقتصاد المتعثر أصلاً.
تحركات كوبا لمواجهة الأزمة
أعلنت الحكومة الكوبية عن خطط شاملة لترشيد استهلاك الطاقة، عبر إعطاء الأولوية للوقود والكهرباء في الخدمات الأساسية، وتعزيز استخدام الطاقة الشمسية، غير أن الأزمة تبدو أكبر من قدرة الدولة على التكيف.
وفي نهاية شهر مارس الماضي، وصلت أول شحنة نفط روسية إلى ميناء كوبا منذ يناير/كانون الثاني، في خطوة مؤقتة لتخفيف أزمة الطاقة، لكنها لا تُعد حلاً طويل الأمد، وقد تكفي لأسابيع قليلة فقط.
الإفراج عن السجناء: خطوة في مفاوضات هافانا وواشنطن
في سياق آخر، بدأت كوبا بالإفراج عن أكثر من ألفي سجين ضمن أكبر عفو منذ عشر سنوات، في خطوة تُعد جزءاً من المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تتابع عن كثب ما إن كانت تشمل المعتقلين السياسيين، وهو بند حساس يشكل مؤشر نجاح أو تنازل كبير من كوبا في المباحثات.
دروس التاريخ: كوبا نموذج العراق الجديد؟
تثير أزمة كوبا تساؤلات حول تبني الولايات المتحدة أساليب الحصار الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية، على نحو ما حدث في العراق بين عامي 1990 و2003، حيث أدت العقوبات إلى انهيار الحياة العامة والاقتصاد، وفقد المجتمع سماته المتحضرة المتماسكة قبل الغزو.
وكان النفط العراقي يمثل 60% من الناتج المحلي و95% من إيرادات النقد الأجنبي، فيما يعتمد اقتصاد البلاد بشكل كبير على القطاع الخارجي، ما يعكس تشابهاً مع واقع كوبا الحالي، التي باتت مهددة بالتدهور الشامل نتيجة الحصار وقطع سبل الحياة عن المدنيين، وسط تهديد باستخدام القوة العسكرية لإجبارها على الخضوع.





