مشروع "مايفن": تحول جذري في الحروب الحديثة
علا القارصلي

ملخص :
يمثل دمج الذكاء الاصطناعي في العقيدة العسكرية الأميركية نقطة تحول مفصلية في موازين القوى العالمية حيث لم يعد الأمر مجرد تحسين تقنيّ بل إعادة صياغة شاملة لمفهوم الميدان القتاليّ، ويُعتبر مشروع مايفن (Project Maven) حجر الزاوية في هذا التحول الاستراتيجيّ إذ بدأ كبرنامج رائد أطلقه البنتاغون في عام 2017 لمساعدة المحللين العسكريين على معالجة التدفق الهائل لبيانات المسيرات، ثم تطور سريعًا من أداة لمعالجة الصور إطارًا بإطار إلى نظام إدارة ساحة معركة متكامل يشرف على عمليات الاستهداف المعقدة، ويمهد هذا التطور التقنيّ الطريق لفهم أعمق لدوافع التأسيس والاحتياجات الميدانية التي أدت لبروزه كأهم سلاح ذكيّ في الترسانة الأميركية الحديثة التي تسعى جاهدةً لتحويل البيانات الخام إلى قوة تدميرية فتاكة تتجاوز قدرة العقل البشريّ على الاستيعاب اللحظي، وفوق ذلك فإن هذا المشروع لم يعد مجرد برمجية معزولة بل أصبح يمثل الطبقة التجريديةالتي تفصل بين القيادة العسكرية وبين تعقيدات المستشعرات الميدانية، مما يمنح القوات الأميركية تفوقًا معرفيًّا يجعل من الخصوم أهدافًا مكشوفةً قبل أن يدركوا طبيعة التهديد المحدق بهم.
استراتيجية التعويض التقني
حسب دراسة مركز (CNAS) جاء ظهور مشروع مايفن استجابةً لما يُعرف بـ إزاحة الطرف الثالث، وهي مقامرة تكنولوجية تهدف لتعويض الضعف الاستراتيجيّ عبر التفوق الخوارزميّ، وتجاوز القدرات التقليدية للخصوم الأقوياء مثل الصين وروسيا، ففي أبريل 2017 تأسس فريق العمل الوظيفي للحرب الخوارزمية لمعالجة مشكلة تدفق البيانات التي أغرقت آلاف المحللين الاستخباراتيين في محيط من لقطات المسيرات التي لا تنتهي حيث كان الهدف الأساسيّ هو إيجاد الإبرة في كومة قش من خلال أتمتة رصد الأهداف بدلًا من الاعتماد الكليّ على العين البشرية المجهدة، ويذكر تقرير صحيفة "الغارديان" أن هذا المسعى الأميركيّ يمتلك جذورًا تاريخيةً تعود إلى الستينيات مع "عملية إيغلو وايت" في فيتنام حينما نشر الجيش الأميركي 20 ألف مستشعر صوتيّ وزلزاليّ على طول ممر "هوشي منه"، وتم ربطها بأجهزة حاسوب (IBM 360) في تايلاند للتنبؤ بحركة القوافل، بيد أن تلك التجربة التاريخية كشفت عن فجوة جوهرية بين "الاستشعار" و"الرؤية" إذ كان النظام يشعر بالاهتزازات لكنه لا يرى حقيقتها مما سمح للفيتناميين بخداع الحواسيب عبر تسجيلات أصوات الشاحنات أو قطعان الماشية، وهو ما أدى لنتائج وهمية أطلقت عليها الاستخبارات حينها اسم "آكل الشاحنات اللاوسيّ العظيم"، واليوم يسعى مشروع مايفن لتجاوز هذا الفشل التاريخيّ عبر تحويل "الاستشعار" إلى "رؤية" خوارزمية دقيقة تمنح القائد العسكريّ يقينًا إحصائيًّا كاذبًا أحيانًا لكنه كافٍ لاتخاذ قرار الاستهداف الفوريّ.
تكامل الأنظمة الذكية
بناءً على تقرير صحيفة "إيكونوميك تايمز" فإن نظام مايفن يعمل كطبقة تكامل برمجية متطورة تدمج بيانات أجهزة الاستشعار وصور الأقمار الاصطناعية والمعلومات الاستخبارية في واجهة مستخدم موحدة تمنح القادة وعيًا ميدانيًّا فوريًّا يتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، وتتميز واجهة النظام بأنها تشبه برامج إدارة المشاريع الحديثة حيث تُعرض الأهداف كمسارات عمل (Workflows) ضمن أعمدة تشبه نظام "كانبان" اليابانيّ مما يسمح بتحويل التهديدات المرصودة إلى عمليات استهداف بضغطة زر واحدة، ويستخدم النظام خوارزميات التعلم الآليّ لتصنيف الأجسام وتقدير مدى الثقة في دقة الرصد مما يقلص الجهد البشريّ في التحقق ويخلق ما يسميه الخبراء بقايا التمثيل (Representational Residua) حيث يصبح الهدف مجرد ملف بيانات داخل النظام وليس كائنًا بشريًّا، وعلاوةً على ذلك فإن النظام يقوم بتوصية القادة بـ "مسارات العمل" المثلى عبر اقتراح نوع الطائرة أو الصاروخ المناسب لكل هدف بناءً على المعطيات الميدانية واللوجستية المتاحة، مما يحول الحرب إلى عملية إجرائية مؤتمتة تسعى للوصول إلى أقصى درجات الكفاءة التدميرية بأقل تدخل بشريّ ممكن.
تسريع سلسلة القتل
حسب تقرير صحيفة "الغارديان" أحدث مشروع مايفن طفرة هائلة في تقليص زمن سلسلة القتل وهي العملية التي تبدأ برصد الهدف وتنتهي بتدميره، وقد انتقل النظام من كونه تجربة مخبرية في قبو مظلم في فورت براغ إلى تمرين "التنين القرمزي"الذي اختبره الفيلق الثامن عشر المحمول جوًا بقيادة الجنرال، مايكل إريك كوريلا، حيث كان الهدف هو اختبار قدرة فريق صغير على القيام بعمل آلاف المحللين، وتشير الإحصائيات إلى أن النظام استطاع الوصول إلى معالجة 1000 قرار استهداف في الساعة الواحدة بمعدل قرار كل 72 ثانية لكل مشغل بشريّ، أو ما يعادل قرارًا واحدًا كل 3.6 ثانية على مستوى النظام ككل، وهذا التسارع الجنونيّ يمثل تعصبًا تقنيًّا يلغي مساحة التفكير والمراجعة، ويجعل الخصم عاجزًا تقنيًّا عن الرد أو المناورة إذ يتم استهدافه قبل أن يدرك رصده، والأمر الذي أفضى إليه هذا التسارع هو تحويل الحرب من مواجهة بشرية تعتمد على الحدس العسكريّ إلى صراع خوارزميّ محتدم يتفوق فيه من يمتلك سرعة معالجة أعلى، مما يضع القادة أمام ضغوط زمنية تمنعهم من ممارسة أي حكم عقلانيّ أو أخلاقيّ رصين.
انقسام وادي السيليكون
وفقًا لما نشرته وسائل إعلام عالمية تسبب المشروع في انقسام أخلاقيّ حاد داخل "سيليكون فالي" أدى إلى انسحاب شركة غوغل في عام 2018 بعد احتجاجات 4 آلاف موظف رفضوا استخدام تقنياتهم في صناعة القتل، إلا أن هذا الانسحاب فتح الباب لشركة بالانتير (Palantir) لتصبح المتعاقد الرئيسيّ والعمود الفقريّ للبرنامج بقيادة رئيسها التنفيذيّ، أليكس كارب، الذي يروج لفلسفة "الجمهورية التكنولوجية"، ويرى أن العالم ينقسم إلى من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها، ويصف كارب النظام بأنه يعمل مثل أسراب النحل، أو تجمعات طيور الزرزور، حيث تتدفق المعلومات دون وساطة بشرية أو تقارير إدارية تعطل سرعة الاستجابة، وقد شهد النظام مؤخرًا إدماج نماذج اللغة الكبيرة مثل (Claude) من شركة أنثروبيك للسماح للقادة بالاستعلام عن التقارير الاستخبارية بلغة طبيعية، بيد أن هذا النموذج ليس هو العقل الذي يحدد الأهداف بل هو مجرد واجهة لغوية أضيفت لاحقًا، ومع انسحاب أنثروبيك بسبب اعتراضها على الأتمتة الكاملة للضربات برزت شركات أخرى مثل "أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي" لتنافس على شغل هذا الفراغ التقنيّ مما يؤكد أن البنية التحتية للاستهداف التي بنتها بالانتير قد أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن التراجع عنه في العقيدة العسكرية الأميركية.
تطبيقات ميدانية حقيقية
تحول مشروع مايفن من مجرد تجربة إلى العمود الفقريّ لعملية "الغضب الملحمي" ضد إيران في فبراير 2026، حيث شهدت الساعات الـ 24 الأولى من الهجوم المشترك مع إسرائيل كثافة نيرانية غير مسبوقة استهدفت أكثر من 1000 هدف بناءً على التحليل الفوريّ للبيانات، ثم استقرت وتيرة الاستهداف لاحقًا بين 300 و500 هدف يوميًّا، وقد أثبت النظام قدرة فائقة على إدارة مسرح العمليات المعقد وتنسيق الضربات الجوية والصاروخية بدقة زمنية متناهية، مما عزز من ثقة القيادة العسكرية في فعالية الذكاء الاصطناعيّ كأداة حسم في الحروب الإقليمية الكبرى، بيد أن هذا النجاح الإجرائيّ أخفى وراءه فشلًا ذريعًا في جودة البيانات الاستخبارية إذ اعتمد النظام على قاعدة بيانات وكالة استخبارات الدفاع التي لم تُحدث لسنوات طويلة، مما أدى لخلط قاتل بين الأهداف العسكرية والمدنية في ظل غياب أي مراجعة بشرية قادرة على كبح جماح الخوارزمية المندفعة نحو التنفيذ.
كارثة استهداف مدني
وفقًا لتقرير صحيفة "الغارديان" برز الجانب المظلم لهذا التفوق التقنيّ في فاجعة استهداف مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في صبيحة 28 فبراير 2026، حيث قصف الجيش الأميركيّ المدرسة مرتين على الأقل خلال الحصة الصباحية مما أدى لمقتل ما بين 175 و180 شخصًا معظمهم من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 7 و12 عامًا، وتكشف التحقيقات أن المبنى كان مصنفًا كمجمع عسكريّ تابع للحرس الثوريّ في قواعد بيانات تعود لعقد من الزمان رغم أن صور الأقمار الاصطناعية تؤكد تحويله لمدرسة منذ عام 2016 على أبعد تقدير، وهذا الفشل البيروقراطيّ في تحديث البيانات مع سرعة النظام الفائقة التي لا تترك مجالًا للمراجعة البشرية حول السرعة من ميزة عسكرية إلى عامل مضاعف للكارثة، وقد أدى هذا الحادث لبروز ما يسميه الخبراء "الذهان الآليّ" حيث انشغل العالم بمناقشة ما إذا كان "تشات بوت" كلود هو من اختار الهدف بينما كانت الحقيقة أن البنية التحتية لمايفن وقرارات البشر الذين صمموا نظامًا يقتل في ثوانٍ هي المسؤول الحقيقيّ عن دماء الأطفال.
مخاطر الحرب الرقمية
حسب دراسة مركز (CNAS) تكمن المخاطرة الكبرى في تحويل الحرب إلى حرب على الورق حيث يتم تجريد الأهداف من صبغتها البشرية وتحويلها إلى مجرد نقاط بيانية تلغي ما سماه كلاوزفيتز بـ "الاحتكاك"، ويرى كلاوزفيتز أن حكم القائد العسكريّ يتشكل خلال البقاء في الظلام وعدم اليقين بينما يؤدي ضغط الوقت في مايفن إلى إلغاء هذه المساحة الضرورية للتفكير والنضج الاستراتيجيّ، ويواجه النظام ما يمكن تسميته بـ المأزق البيروقراطيّ المزدوج، حيث تحتاج المؤسسة العسكرية للاجتهاد البشريّ لكنها لا تستطيع الاعتراف به قانونيًّا لكي تظل ملتزمةً بالنموذج الإجرائيّ الخوارزميّ، وفي نهاية المطاف فإن التطور التكنولوجي في مشروع مايفن لا يعفي القادة من المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائج "سلسلة القتل" المؤتمتة خاصةً وأن التقارير الدائرية تخلق وهمًا بتعدد المصادر بينما هي تعيد تدوير خطأ واحد.
إن مستقبل الحروب في عصر الذكاء الاصطناعيّ يتطلب إدراكًا بأن التكنولوجيا مهما بلغت قوتها تظل مجرد أداة لا ينبغي أن تلغي "الاحتكاك" البشريّ الذي يمثل صمام الأمان الأخير ضد تحول ساحات المعارك إلى مسالخ آلية تدار بعقليات برمجية صماء تخلو من أي بصيرة إنسانية أو مسؤولية أخلاقية تجاه الأرواح البريئة.





