ماذا نعرف عن مفاعل "ديمونة"؟

ملخص :
بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، شهدت منطقة النقب تهجيراً واسعاً للفلسطينيين، بينما شرعت إسرائيل في السيطرة على أراضٍ شاسعة ضمن خطة لتوطين اليهود وبناء مستوطنات جديدة، مع توزيع السكان الجدد في المناطق الحدودية لتعزيز وجود الدولة.
وتأسست مدينة ديمونة رسمياً عام 1955 كجزء مما عُرف بـ "مدن التطوير"، واستقبلت موجات من المهاجرين من المغرب واليمن وشرق أوروبا، معظمهم عاش في مخيمات مؤقتة تُعرف بـ "المعبوروت"، في ظل ظروف معيشية صعبة ونقص في البنية التحتية الأساسية.
واعتمد سكان المدينة على العمل في مصانع البحر الميت ومناجم الفوسفات وبعض الصناعات الخفيفة، ومع مرور الوقت، نمت ديمونة وتحولت من تجمع صغير إلى مدينة مكتملة، وحصلت على صفة بلدية عام 1969.
أهمية جغرافية وإستراتيجية
لم تعد ديمونة مجرد مدينة نائية، بل اكتسبت أهمية إستراتيجية كبيرة، فموقعها في صحراء النقب عزز من قدرتها على التوازن بين العزلة الجغرافية، ما يقلل احتمالات المراقبة، ووجود بنية تحتية أساسية وسكن للعاملين لدعم مشاريع حساسة وسرية، أبرزها البرنامج النووي الإسرائيلي.
وتضم المدينة منشأة نووية رئيسية، يُعرف عنها أنها تخضع لسياسة الغموض الإسرائيلي، رسمياً، تقول إسرائيل إن مفاعل ديمونة مخصص للأبحاث العلمية، دون تأكيد أو نفي امتلاكها أسلحة نووية، لكن تقديرات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام تشير إلى أن إسرائيل تمتلك نحو 90 رأساً نووياً، ما يجعلها القوة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط.
البرنامج النووي الإسرائيلي: تاريخ وخفايا
بدأت إسرائيل إظهار الاهتمام بتطوير قدرات نووية بعد وقت قصير من قيام الدولة، باعتبارها وسيلة لتحقيق ما وصفه القادة بـ"الردع النهائي":
- 1952: تأسيس هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، بالتعاون الوثيق مع المؤسسة العسكرية.
- 1953: استخراج اليورانيوم من الفوسفات في صحراء النقب، وتطوير قدرات تقنية لإنتاج المواد النووية الأساسية.
- أواخر خمسينيات القرن الماضي: تعاون سرّي مع فرنسا أدى إلى بناء مفاعل ديمونة.
- 1960: أعلن رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون أنه لأغراض نووية سلمية، بعدما قدمت إسرائيل المفاعل على أنه مصنع للنسيج ومحطة زراعية ومنشأة لأبحاث المعادن.
الرقابة الدولية والسياسات الإسرائيلية
أبدت الولايات المتحدة قلقها بعد أن كشفت صور التقطتها طائرات التجسس من طراز يو-2 في عام 1958 أعمال بناء المفاعل، وخلال الستينيات، زار مفتشون أمريكيون المنشأة عدة مرات، لكن لم يتمكنوا من تكوين صورة كاملة عن الأنشطة، وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل عمدت إلى إخفاء أجزاء من المنشأة باستخدام لوحات تحكم زائفة وإغلاق ممرات داخلية، ما أثار الشكوك حول وجود برنامج تطوير أسلحة نووية، ولم توقع إسرائيل على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي لم تخضع منشآتها النووية للرقابة الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تسريبات تعزز الشكوك
في منتصف الثمانينيات، كشف الفني السابق في مفاعل ديمونة، مردخاي فعنونو، معلومات وصوراً للبرنامج النووي الإسرائيلي لصحيفة بريطانية، مؤكداً امتلاك الدولة لترسانة نووية سرية، وبعد هذه التسريبات، استُدرج فعنونو إلى روما، ثم نُقل إلى إسرائيل حيث حوكم خلف أبواب مغلقة وحُكم عليه بالسجن 18 عاماً بتهمة الخيانة.
ووصف شمعون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، تسريبات فعنونو بأنها ألقت أضراراً جسيمة على أمن الدولة، مؤكداً أن سرية البرنامج النووي على أعلى المستويات.
تقديرات الترسانة النووية الإسرائيلية
تظل التقديرات حول حجم ترسانة إسرائيل النووية غير مؤكدة، إلا أن تقييمات استخباراتية دولية رجّحت أن إسرائيل تمتلك ما بين 90 إلى 200 رأس نووي، دون إجراء تجارب نووية معلنة، ويُرجّح بعض الباحثين أن الانفجار النووي المشتبه به في جنوب المحيط الهندي عام 1979 كان تجربة نووية محتملة لإسرائيل، ربما بالتعاون مع جنوب أفريقيا، دون دليل قاطع حتى اليوم.
البرنامج النووي وإقليم الشرق الأوسط
تتمتع إسرائيل ببرنامج نووي من الأكثر سرية على مستوى العالم، ما يمنحها تفوقاً إستراتيجياً في منطقة مضطربة، وفي المقابل، تتواصل الأزمات النووية الإقليمية، كما في إيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية ودبلوماسية بسبب برنامجها النووي، وتطورت في الوقت الراهن إلى حرب تشنها عليها واشنطن وتل أبيب.





