مع تصاعد التسريبات عن إنزال بري في إيران.. قراءة في أبرز عمليات الإنزال البري في التاريخ الحديث

ملخص :
تكشف تسريبات إعلامية أمريكية عن نية وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) دراسة تنفيذ عمليات برية محدودة داخل إيران، تتضمن إنزال قوات خاصة، ووحدات من مشاة البحرية، لتنفيذ مهام خاطفة تشمل استهداف مواقع عسكرية حساسة أو السيطرة على نقاط إستراتيجية، مثل جزيرة خرج، أو مصادرة مواد نووية.
ويترافق مع هذه التسريبات تحركات عسكرية لافتة، مع نشر آلاف الجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط، بينهم قوات خاصة ومظليون، في مؤشر على تعزيز الجاهزية لخيارات ميدانية تتجاوز الضربات الجوية، غير أن هذه السيناريوهات تبقى رهينة مسار التفاوض مع طهران، واحتمال تعثر الجهود الدبلوماسية، وفق تصريحات رسمية أمريكية.
أهداف إستراتيجية ومخاطر ميدانية مرتفعة
تتصدر جزيرة خرج ومضيق هرمز قائمة الأهداف المحتملة، نظراً لأهميتهما الحيوية في سوق الطاقة العالمي وخطوط الملاحة الدولية، إلا أن التقديرات العسكرية الأمريكية تُقر بارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بأي إنزال بري، في ظل توقع تعرض القوات المهاجمة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تهديدات الألغام البحرية.
استنفار إيراني ورسائل ردع واضحة
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني حالة تأهب قصوى على امتداد مضيق هرمز، في خطوة تعكس استعداداً لمواجهة أي تحرك عسكري محتمل، وتحمل هذه الإجراءات رسالة ردع مفادها أن أي محاولة إنزال ستُقابل برد مباشر، قد يتطور إلى حرب استنزاف طويلة.
قلق داخل الكونغرس الأمريكي
على الصعيد الداخلي، تتصاعد المخاوف في أروقة الكونغرس، حيث عبّر أعضاء في لجنة القوات المسلحة عن قلقهم إزاء غموض الأهداف الإستراتيجية والعملياتية لأي تدخل بري محتمل. كما حذروا من تحديات لوجستية، من بينها نقص محتمل في الذخائر، خصوصاً الصواريخ الاعتراضية.
دروس التاريخ: حين تحسم التفاصيل مسار المعارك
وتُعد عمليات الإنزال من أعقد العمليات العسكرية، إذ تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين القوات البرية والجوية والبحرية، فضلاً عن منظومة دعم لوجستي واسعة، ويبقى احتمال الإخفاق قائماً، خاصة في حال التقليل من قدرات الدفاع لدى الطرف المقابل، وفي هذا التقرير نراجع أبرز الإنزالات البرية في التاريخ.
أولا: نورماندي
تُعد عملية إنزال نورماندي عام 1944 نموذجاً ناجحاً لعمليات الإبرار العسكري، حيث تمكنت قوات الحلفاء من فتح جبهة حاسمة ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وقد ارتكز النجاح على خطة تضليل إستراتيجي أوهمت القيادة الألمانية بأن الهجوم سيقع في منطقة أخرى، ما أتاح عنصر المفاجأة.
وشاركت في العملية قوات ضخمة تجاوزت مئات الآلاف، بدعم جوي وبحري هائل، رغم تكبد خسائر بشرية كبيرة، وكان عنصر المباغتة كان حاسماً في ترجيح كفة المهاجم، غير أن هذا العامل يبدو غائباً في الحالة الراهنة، إذ إن التسريبات والتصريحات الأمريكية المتكررة تقلص من فرص تحقيق المفاجأة، ما يمنح الطرف الإيراني أفضلية دفاعية.
ثانيا: إنشون
في الحرب الكورية عام 1950، نفذت قوات الأمم المتحدة بقيادة الجنرال دوغلاس ماك آرثر إنزالاً جريئاً في إنشون، خلف خطوط القوات الكورية الشمالية، ورغم صعوبة التضاريس، نجحت العملية في تحقيق اختراق إستراتيجي أدى إلى استعادة العاصمة سول، واعتمدت العملية على عنصر المفاجأة وتجاهل التوقعات التقليدية، ما مكّن القوات المهاجمة من تحقيق مكاسب سريعة، رغم المخاطر اللوجستية العالية والخسائر البشرية.
لكن في السياق الإيراني، قد لا تتكرر هذه المعادلة، إذ تشير المعطيات إلى أن طهران تستعد مسبقاً لسيناريوهات مشابهة، ما يحد من فعالية أي هجوم مباغت.
ثالثا: غاليبولي
تمثل حملة غاليبولي عام 1915 مثالاً صارخاً على فشل عمليات الإنزال، حيث أخفقت قوات الحلفاء في اختراق الدفاعات العثمانية، رغم التفوق البحري، وأدت التضاريس الوعرة وسوء التخطيط إلى تكبد خسائر فادحة وانسحاب كامل، وتبرز هذه التجربة أهمية تقدير طبيعة الأرض وقدرات الدفاع، إذ لا يكفي التفوق العسكري لضمان النجاح في عمليات معقدة كهذه.
الواقع الراهن: تحديات الجغرافيا وانكشاف النوايا
في ضوء المقارنة التاريخية، يرى خبراء عسكريون أن أي إنزال محتمل على السواحل الإيرانية سيواجه تحديات مشابهة، من حيث التضاريس الوعرة والاستعداد الدفاعي، كما أن تسريب الخطط المحتملة يضعف عنصر المفاجأة، ويمنح المدافع فرصة تعزيز مواقعه، وتشير التقديرات إلى أن هذه العوامل قد ترفع كلفة أي عملية عسكرية، وتزيد من احتمالات تحولها إلى مواجهة طويلة الأمد، بدلاً من عملية خاطفة محدودة.





