استهداف الهوية والتاريخ.. التراث الإيراني في مرمى صواريخ واشنطن وتل أبيب
علا القارصلي

ملخص :
خاص- حسب حوار أجراه وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية الإيراني، رضا صالحي أميري، فإن التراث الثقافي يمثل العمود الفقري، والروح النابضة للهوية الوطنية، والذاكرة الجماعية التي تربط الأجيال المتعاقبة بجذورها الحضارية الضاربة في أعماق التاريخ، ومن هنا يكتسب استهداف الآثار التاريخية في أوقات النزاعات المسلحة صبغة استراتيجية تتجاوز الرغبة في التدمير المادي لتصل إلى محاولة محو الوعي التاريخي، وإضعاف الرابط الوجداني بين الشعب وأرضه، إذ إن هذه المعالم تُعد شواهد حية على تطور الإنسانية ومراحلها المختلفة، مما يجعل حمايتها مسؤولية عالمية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره وليست شأنًا داخليًا يخص دولة بعينها، خاصة وأن المساس بأي معلم تاريخي يمثل خسارة لا تعوض للإرث الإنساني المشترك، كما أن حجم الفقد الفعلي الذي رصدته التقارير الميدانية الأخيرة يعكس تهديدًا وجوديًا لذاكرة المنطقة الحضارية في ظل استمرار العمليات العسكرية التي نالت من مئات المواقع المحمية دوليًا، ولعل هذا الاستهداف الممنهج يعبر عن انهيار في المعايير الإنسانية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم النزاعات المسلحة، حيث تحولت الأعيان الثقافية من رموز للسلام والتواصل إلى أهداف في صراعات لا تفرق بين البشر والحجر.
وفقًا لدراسة تحليلية قدمتها الخبيرة في فنون إيران والإسلام، سوزان بابائي، ونشرها موقع "Artnet"؛ فإن التراث الثقافي لمجتمع عريق مثل إيران هو ملك للبشرية جمعاء، حيث تشكل المواقع الستة وعشرون المدرجة على قائمة اليونسكو شهادة حية على التاريخ العريق للحضارة على الهضبة الإيرانية، وإن حمايتها توازي في أهميتها حماية "الأكروبوليس" في اليونان أو "سور الصين العظيم"، إذ إن استهداف المدن والمدنيين أدى إلى دمار عشوائي لحق بالمعالم التاريخية، مما يضع الهوية الجماعية الإنسانية في خطر حقيقي، خاصة وأن هذه المواقع تمثل طبقات متراكمة من التاريخ تبدأ من العصور القديمة وصولًا إلى العصور الإسلامية والحديثة، وقد رصدت الإحصائيات الأخيرة تصاعدًا مخيفًا في وتيرة الأضرار، مما يستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا لتقييم حجم الخشائر الذي يتجاوز القيمة المعمارية ليصل إلى تدمير الرموز التي تختزن فيها الشعوب ذاكرتها وهويتها الوطنية.
إحصائيات المواقع التراثية المستهدفة
بناءً على التقرير الصادر عن وزارة التراث الثقافي الإيرانية فقد سجلت الإحصائيات الرسمية تضرر ما لا يقل عن 56 متحفًا وموقعًا تاريخيًا خلال الأسبوعين الأولين من اندلاع النزاع، مع تسجيل العاصمة طهران لأكبر عدد من الإصابات بواقع 19 موقعًا متضررًا، إلا أن هذه الأرقام شهدت قفزة نوعية مع استمرار الهجمات لتعلن الوزارة لاحقًا عن ارتفاع عدد المواقع المتضررة إلى 114 موقعًا، وهذا التضاعف السريع في الأرقام يعكس كثافة تدميرية غير مسبوقة تضع الخارطة الثقافية للبلاد في حالة استنفار قصوى، خاصة وأن الأضرار لم تقتصر على الهياكل الخارجية بل امتدت لتطال المقتنيات الداخلية والزخارف الدقيقة التي لا يمكن استبدالها، مما يوضح أن النزاع قد تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية وبدأ في التوغل نحو المناطق المحمية دوليًا.
التوزيع الجغرافي موزع على الأقاليم التاريخية الكبرى
- طهران: 29 موقعًا أهمها قصر غلستان، مجمع سعد آباد، مجلس الخبراء.
- أصفهان: 16 موقعًا أهمها ساحة نقش جهان، قصر جهل ستون، المسجد الجامع.
- كرمنشاه: 5 مواقع أهمها نقش بيستون، معالم أخمينية.
- كردستان: 5 مواقع أهمها قصر سالار سعيد، قصر آصف وزيري، خسرو آباد.
- لورستان: 4 مواقع أهمها قلعة فلك الأفلاك، كهوف خرم آباد.
- خوانسار: 3 مواقع بيوت تاريخية ومساجد.
- بوشهر (سيراف): 4 مواقع منها الحي التاريخي.
- مازندران: موقعان منها قصر صفي آباد.
توثيق الأضرار
أطلقت الباحثتان "سيبيده مازيار" من جامعة غوته الألمانية، و"مهرنوش سروش" من جامعة شيكاغو مشروعًا إلكترونيًا عبر منصة "CAMEL" لتوثيق الأضرار بناءً على صور الأقمار الصناعية ومصادر ميدانية مستقلة، حيث نجح المشروع في توثيق أضرار جسيمة لحقت بـ 69 موقعًا أثريًا حتى تاريخ التوثيق مع وجود عشرات المواقع الأخرى قيد التحقق، مما يشير إلى وجود فجوة معلوماتية بين الأرقام الرسمية والواقع الميداني الذي يصعب الوصول إليه بسبب القيود الأمنية، وتؤكد الباحثتان أن هذا التوثيق الرقمي يهدف إلى لفت الانتباه العالمي لما وصفتاه بـ "محو تراث لا يمكن تعويضه"، خاصة وأن بعض المواقع المتضررة تعود لفترات تاريخية مفصلية مثل العصر الصفوي، والقاجاري، مما يجعل تضاعف الأرقام مؤشرًا على هشاشة هذه المواقع أمام الأسلحة الحديثة وتأثير موجات الانفجار الارتدادية التي تدمر الزخارف الجصية والمرايا من مسافات بعيدة.
آثار الدمار بالمعالم التاريخية
وفقًا لما نقلته صور ميدانية فقد تعرض "قصر غلستان" في طهران المدرج على قائمة اليونسكو لأضرار بالغة نتيجة ضربة استهدفت ساحة "أراغ" القريبة التي تقع ضمن المنطقة العازلة للقصر، حيث تحطم الزجاج الملون الذي يعود للعصر القاجاري، وغطى الحطام "قاعة المرايا" الشهيرة التي تمثل قمة الفن المعماري الإيراني، كما سقطت الثريات الضخمة وأجزاء من الزخارف الجصية، والقوالب الخشبية للأبواب التاريخية؛ وبحسب تقرير لشبكة "PBS News"، فإن الدمار امتد ليصل إلى مدينة أصفهان التي وصفها محافظها، مهدي جمالي نجاد، بأنها "متحف بلا سقف" حيث تضرر "قصر جهل ستون" بشدة نتيجة موجات الصدمة التي أدت لتحطم الفسيفساء، وتصدع الجداريات الصفوية النادرة في القاعة ذات الأعمدة التي كانت مخصصة للاحتفالات الرسمية، كما نال "المسجد الجامع" نصيبًا من الدمار تمثل في تحطم أجزاء من بلاطه الفيروزي المميز الذي يجسد "هندسة اللانهاية" في العمارة الإسلامية، وهو ما يمثل جرحًا رمزيًا عميقًا في قلب الهوية الإيرانية يتجاوز الخسارة المادية ليمس المعاني التي تبني بها الشعوب صورتها عن نفسها.
وامتدت الهجمات لتطال "مجمع سعد آباد" في طهران الذي يمتد على مساحة 80 هكتارًا، حيث تسببت الانفجارات في أضرار جسيمة بقصر سعد آباد التاريخي الذي يعود للقرن التاسع عشر، بالإضافة إلى تضرر قصور "سنندج" في كردستان، مثل: قصر "سالار سعيد"، وقصر "آصف وزيري" الذي يعود للعصر الصفوي ويتميز بزخارفه الجصية والحجرية المنحوتة التي لحق بها دمار في النوافذ الملونة والمرايا، وفي إقليم لورستان أكد رئيس دائرة الثقافة عطا حسن بور، تعرض محيط قلعة "فلك الأفلاك" التاريخية لقصف أدى لتضرر متاحف الآثار والأنثروبولوجيا، كما أعرب الخبراء عن قلقهم البالغ على كهوف وادي "خرم آباد" التي تضم أدلة استيطان بشري تعود لـ 63 ألف عام، مما يعني أن الدمار يهدد بمحو صفحات من تاريخ البشرية الأول، وليس فقط التاريخ الإسلامي أو الحديث.
القوانين الدولية لحماية التراث
حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة تعد ضرورة قانونية وأخلاقية تفرضها التشريعات الدولية، حيث تضع هذه القوانين إطارًا صارمًا يحظر استهداف المعالم الحضارية أو استخدامها لأغراض عسكرية، ويمكن تلخيص أبرز هذه البنود فيما يلي:
- اتفاقية لاهاي لعام 1954: تفرض تصنيف المواقع كـ "أعيان مدنية محمية" وتحظر استهدافها تمامًا، مع إلزام الأطراف بـ "واجب الاحتياط"، وتجنب وضع أهداف عسكرية داخل أو بالقرب من المناطق التاريخية.
- اتفاقية اليونسكو لعام 1972: تعتبر أن أي ضرر يلحق بمواقع التراث العالمي هو خسارة للإنسانية برمتها، وتلزم المجتمع الدولي بالتدخل لحمايتها وصونها بصفتها "إرثًا عالميًا ذا قيمة استثنائية".
- نظام الحماية المعززة: الذي يمنح حصانة قانونية إضافية للمواقع التي تطلب الدول حمايتها بشكل خاص أثناء الحروب لضمان خروجها من دائرة العمليات القتالية.
فجوة بين النصوص والواقع
حسب ما رصدته لجنة "الدرع الأزرق" الأمريكية تبرز فجوة عميقة بين هذه النصوص والواقع الميداني، خاصة بعد تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، التي أشار فيها إلى تجاوز "قواعد الاشتباك الحمقاء"، وتبني حملات جوية بأقصى قدر من الصلاحيات، وهو ما انتقده الخبراء الدوليون بشدة واعتبروه تقويضًا لشرعية القانون الدولي الإنساني، إذ إن استهداف المواقع الثقافية كوسيلة في الحرب النفسية يعد انتهاكًا صارخًا لاتفاقية لاهاي، ويهدد بنسف الجهود الدولية التي استمرت لعقود لتحييد التراث عن الصراعات السياسية، مما يضع مصداقية المنظمات الدولية على المحك ويجعل من الضروري تفعيل آليات المحاسبة الجنائية الدولية ضد مرتكبي هذه الانتهاكات التي تطال الذاكرة الجماعية للشعوب.
مستقبل الذاكرة الحضارية المشتركة
بناءً على النتائج الاستراتيجية التي خلص إليها خبراء الترميم في معهد التراث الثقافي الإيراني؛ فإن عملية إعادة إعمار ما دمرته النيران والاهتزازات الارتدادية قد تستغرق سنوات طويلة، حيث يحتاج موقع مثل "قصر غلستان" إلى عامين على الأقل من العمل الدقيق لاستعادة جزيئات الزجاج والمرايا والزخارف الجصية، مع التأكيد على أن "الأصالة" التاريخية التي فقدت لا يمكن استردادها بالكامل مهما بلغت دقة الإصلاح الفني، لذا فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بتعزيز آليات الرقابة الميدانية، والتوجه نحو التوثيق الرقمي الشامل مثل مشروع CAMEL كخط دفاع أخير لحماية الذاكرة من المحو الكلي، خاصة وأن التحدي الأكبر يكمن في استعادة القيمة الوجدانية والجمالية للمواقع التي تعرضت للتشويه، مما يفرض على المؤسسات العالمية وضع ميثاق شرف جديد يضمن تحييد الرموز الهوياتية الكبرى عن الصراعات العسكرية والسياسية، مع ضرورة فرض رسوم أو عقوبات دولية تعوض الخسائر الثقافية غير القابلة للتعويض المادي.
التقرير الاستشاري الدولي لحماية التراث
وحسب ما اختتم به التقرير الاستشاري الدولي لحماية التراث، فإن الهوية الثقافية الحية للشعوب رغم ما تناله من جروح مادية غائرة، تظل قادرة على الصمود واستعادة بريقها التاريخي شريطة وجود تحرك دولي حازم يضع حماية التاريخ الإنساني فوق المصالح العسكرية العابرة، وإن الحفاظ على المواقع الأثرية في إيران، ولبنان، وغيرها من مناطق النزاع ليس ترفًا ثقافيًا بل هو صيانة لروح الإنسانية ذاتها، إذ إن اندثار هذه المعالم يعني دخول العالم في حالة من فقدان الذاكرة الحضارية التي لا يمكن علاجها، ويؤكد التقرير أن المسؤولية تقع على عاتق كل المنظمات الدولية، بدءًا من اليونسكو وصولًا إلى المحاكم الدولية، لضمان أن يظل التراث الإنساني "منطقة محرمة" على نيران الحروب، وأن تظل مآثر الإنسان شواهد باقية تحكي قصة بقائه وتطوره للأجيال القادمة بعيدًا عن فوضى الدمار.





