ما هي عملية "تخصيب اليورانيوم"؟

ملخص :
تخصيب اليورانيوم: بين الاستخدام السلمي والطابع العسكري
تمثل عملية تخصيب اليورانيوم الركيزة الأساسية في تحويل هذا الخام الموجود طبيعيًا في باطن الأرض إلى مادة قابلة للاستخدام، إما في إنتاج الطاقة ضمن أطر ومعايير دولية محددة، أو في تصنيع أسلحة نووية ذات قدرة تدميرية هائلة.
ومن المهم التأكيد أن عملية التخصيب بحد ذاتها لا تُعد العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان البرنامج النووي سلميًا أو عسكريًا؛ إذ إن الفيصل الحقيقي يتمثل في نسبة التخصيب التي يُرفع إليها تركيز النظير القابل للانشطار.
ما هو اليورانيوم 235 ولماذا يُعدّ أساس العملية؟
التخصيب: هو إجراء تقني معقد يجري على مراحل متتالية، بهدف زيادة نسبة النظير القابل للانشطار من اليورانيوم، المعروف باسم "يورانيوم 235" ويرمز له بالحرف اللاتيني U-235، ليصبح صالحًا للاستخدام كوقود نووي أو كمكوّن رئيسي في القلب الانفجاري للأسلحة النووية.
يوجد اليورانيوم في الطبيعة بعدة صور ونظائر، إلا أن نظيرًا واحدًا فقط هو القابل للاستخدام في إنتاج الطاقة أو للأغراض العسكرية، وهو U-235 وبلغة الفيزياء، يُشار إليه بهذا الرمز نسبةً إلى كتلته الذرية، لكنه لا يشكل سوى نحو 0.7% من إجمالي الخام المستخرج من المناجم.
أما النظير الأكثر انتشارًا في الطبيعة فهو يورانيوم 238 (U-238)، الذي يتمتع بكتلة ذرية أكبر قليلًا، لكنه غير قابل للانشطار بالطريقة نفسها، ما يجعله غير ملائم لإنتاج الطاقة أو لصناعة السلاح النووي دون عمليات إضافية معقدة.
نسب التخصيب: الخط الفاصل بين الطاقة والسلاح
تختلف نسبة التخصيب المطلوبة باختلاف الغرض من الاستخدام، ففي مجال توليد الكهرباء، يكفي رفع تركيز يورانيوم 235 إلى ما بين 3% و5%، وهي النسبة المستخدمة عادة في تشغيل المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة.
أما في حال الاستخدام العسكري، فيتطلب الأمر رفع نسبة التخصيب إلى مستويات تفوق 80%، وهي درجة تُعرف بالنقاء العالي أو "درجة السلاح"، ما يجعل المادة قابلة للاستخدام في تصنيع رأس نووي.
وبالتالي، فإن الفارق بين الاستخدام السلمي والعسكري لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في مستوى التركيز الذي يُسمح بالوصول إليه.
من "الكعكة الصفراء" إلى الغاز: بداية مسار التخصيب
تعتمد أكثر تقنيات التخصيب انتشارًا على تحويل خام اليورانيوم، المعروف باسم "الكعكة الصفراء"، إلى غاز يُسمى سادس فلوريد اليورانيوم (UF6)، وتمثل هذه الخطوة المرحلة الأولى والأساسية قبل البدء بعملية التخصيب، إذ لا يمكن إجراء الفصل بين النظائر إلا عندما يكون اليورانيوم في حالته الغازية.
وبمعنى آخر، لا تنطلق عملية التخصيب فعليًا إلا بعد تحويل الخام من صورته الصلبة إلى صورة غازية، ما يسمح بإخضاعه لعمليات الفصل الدقيقة.
الحواجز النفوذية: فصل يعتمد على فروق الوزن الدقيقة
في إحدى تقنيات التخصيب التقليدية، يُضخ غاز سادس فلوريد اليورانيوم عبر حواجز نفوذية دقيقة، ونظرًا لأن ذرات يورانيوم 235 أخف وزنًا من ذرات يورانيوم 238، فإنها تعبر الحاجز بسرعة أكبر، في حين تتأخر الذرات الأثقل.
ويشبه هذا الأسلوب مرور الحبيبات الدقيقة من الرمل عبر ثقوب الغربال، حيث تعبر الحبيبات الصغيرة الفتحات بسهولة أكبر من الأكبر حجمًا، غير أن الفرق في الكتلة بين النظيرين طفيف للغاية، ما يستدعي تكرار عملية الفصل أكثر من 1400 مرة للحصول على يورانيوم مخصب بنسبة تتراوح بين 3% و5% من غاز سادس فلوريد اليورانيوم.
أجهزة الطرد المركزي: التقنية الأحدث والأكثر فاعلية
إلى جانب الحواجز النفوذية، تُعد أجهزة الطرد المركزي من أكثر الوسائل استخدامًا في عمليات التخصيب الحديثة، وتعتمد هذه التقنية أيضًا على استغلال الفارق البسيط في الكتلة بين نظيري اليورانيوم 235 و238.
في هذه العملية، يُضخ الغاز داخل أسطوانة تدور بسرعات فائقة قد تتجاوز سرعة الصوت، ونتيجة للقوة الطاردة المركزية، تُدفع الذرات الأثقل، أي يورانيوم 238، نحو الجدار الخارجي للأسطوانة، بينما تبقى الذرات الأخف، أي يورانيوم 235، أقرب إلى المركز.
بعد ذلك، يُجمع الجزء الأكثر تركيزًا من يورانيوم 235، وتُعاد العملية مرارًا لرفع نسبة التخصيب تدريجيًا، وتُرتّب أجهزة الطرد المركزي عادة في سلاسل متتابعة تُعرف باسم "سلاسل الطرد" لزيادة الكفاءة وتسريع الوصول إلى النسبة المطلوبة.
متطلبات إنتاج مادة لصنع رأس نووي
تشير التقديرات التقنية إلى أن إنتاج نحو 20 كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب، وهي كمية كافية لصنع رأس نووي بدائي من حيث القدرة التفجيرية، يتطلب تشغيل ما يقارب 1500 جهاز طرد مركزي بشكل متواصل لعدة أشهر دون انقطاع.
ويعكس هذا الرقم حجم البنية التحتية الصناعية والتقنية المطلوبة، فضلًا عن الزمن والموارد اللازمة للوصول إلى مستوى التخصيب المرتبط بالاستخدام العسكري.
عملية دقيقة ذات أبعاد استراتيجية
في المحصلة، تبقى عملية تخصيب اليورانيوم مسارًا تقنيًا معقدًا يتداخل فيه العلمي بالاستراتيجي، فهي في جوهرها تقنية يمكن توظيفها لإنتاج الطاقة الكهربائية ضمن أطر سلمية تخضع للرقابة الدولية، كما يمكن -إذا ارتفعت نسبة التخصيب إلى مستويات عالية- أن تتحول إلى أساس لتطوير أسلحة نووية.
ومن هنا، تشكل نسب التخصيب والرقابة الدولية على المنشآت النووية العاملين الحاسمين في تحديد طبيعة أي برنامج نووي، وسط توازن دقيق بين الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية ومخاوف الانتشار العسكري.





