ولاية الفقيه: التعريف والجذور الفكرية

ملخص :
ارتبط تشكّل المجتمعات الإنسانية، منذ نشأتها، بمسألة تنظيم السلطة وإدارة الشأن العام، وهي القضية التي شكّلت محورًا أساسيًا في الفكر السياسي بمختلف مدارسه، وفي السياق الإسلامي، برز ما يُعرف بـ "الفكر السياسي الإسلامي" بوصفه محاولة لصياغة نظريات تفسّر العلاقة بين الدين والدولة، وتؤسس لشرعية الحكم وآلياته.
وفي قلب هذا الجدل، تبرز نظرية "ولاية الفقيه" كأحد أبرز المفاهيم التي تبلورت داخل المدرسة الشيعية الإمامية، وأثارت نقاشًا واسعًا بين الفقهاء والمفكرين، سواء لجهة مشروعيتها أو حدود صلاحياتها أو قابليتها للتطبيق في الدولة الحديثة.
تعريف ولاية الفقيه ومفهومها العام
تُعرّف ولاية الفقيه، وفق الأدبيات الفقهية الجعفرية، بأنها تولّي الفقيه الجامع لشروط الاجتهاد والعدالة مقام الإمام الغائب في إدارة شؤون الأمة خلال زمن الغيبة، بما يشمل تدبير السياسات العامة وإقامة الأحكام، مع خلاف فقهي حول سعة هذه الصلاحيات وضيقها.
ويستند هذا التصور إلى عقيدة "الغيبة" لدى الشيعة الإمامية، والتي تقوم على غياب الإمام الثاني عشر عن الأنظار، ما أوجد إشكالية عملية تتعلق بمن يتولى إدارة المجتمع الإسلامي في غيابه.
تطور الفكرة: من الاجتهاد الفقهي إلى المشروع السياسي
المحقق علي الكركي: توسيع نطاق النيابة
يُعد المحقق علي الكركي من أوائل من بلوروا مفهوم النيابة العامة للفقيه في زمن الغيبة، حيث أكد على أن الفقيه العادل الجامع للشرائط يُعد نائبًا عن الأئمة في مختلف ما للنيابة فيه مدخل، بما يشمل الشأن القضائي والسياسي.
وقد تعززت مكانته في ظل الدولة الصفوية التي أسسها الشاه إسماعيل الصفوي، ثم في عهد الشاه طهماسب، حيث حظي الكركي بنفوذ واسع، واعتُبرت طاعته ملزمة دينيًا، ما مثّل خطوة عملية باتجاه إضفاء طابع سياسي على دور الفقيه.
الشيخ أحمد النراقي: تكريس المصطلح
مع الشيخ أحمد النراقي، ظهر مصطلح "ولاية الفقيه" بصيغته الاصطلاحية المتداولة، ولا سيما في كتابه "عوائد الأيام"، وقد منح النراقي الفقيه صلاحيات واسعة، معتبرًا أنه الأقدر على تولي ما لا يجوز تعطيله من شؤون الأمة، ومؤكدًا أن ترك المجتمع بلا متولٍ في زمن الغيبة أمر غير مقبول شرعًا.
روح الله الخميني: من النظرية إلى الدولة
بلغت النظرية ذروتها مع روح الله الخميني، الذي أعاد صياغتها ضمن مشروع سياسي متكامل، وطرحها كأساس لـ "الحكومة الإسلامية" في كتابه الذي حمل الاسم ذاته، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أُسقط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وأُعلنت الجمهورية الإسلامية عبر استفتاء شعبي.
رأى الخميني أن إقامة حكومة إسلامية في زمن الغيبة واجب شرعي وعقلي، وأن الفقيه العادل يتولى من شؤون المجتمع ما كان يتولاه النبي والأئمة في إطار إدارة الدولة، مع تأكيده أن التشريع حكر على الله، فيما تتولى الحكومة تنفيذ الأحكام الإلهية.
الغيبة وإشكالية السلطة
تنقسم الغيبة، وفق المعتقد الشيعي، إلى صغرى وكبرى، ففي الأولى (260-329 هـ) جرى التواصل عبر نواب خاصين، ثم بدأت الغيبة الكبرى بانقطاع السفارة، ما أوجد فراغًا قياديًا، ومن هنا انطلقت الحاجة -وفق أنصار النظرية- إلى مرجعية قيادية تتولى إدارة المجتمع، منعًا لتعطيل الأحكام الشرعية، واعتبر الخميني أن بقاء المسلمين بلا حكومة إسلامية طوال زمن الغيبة أمر غير منطقي، وأن تشكيل الدولة واجب مستمر لا يسقط بغياب الإمام.
بنية النظام وصلاحيات الولي في إيران
ينص دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أن القيادة في زمن الغيبة تعود إلى الفقيه العادل البصير بشؤون العصر، القادر على الإدارة والتدبير، ويتولى تعيينه مجلس خبراء القيادة المنتخب شعبيًا، بينما تخضع أهلية المرشحين لرقابة مجلس صيانة الدستور.
وبعد وفاة الخميني عام 1989، عيّن مجلس الخبراء علي خامنئي مرشدًا أعلى، عقب تعديل دستوري ألغى شرط "المرجعية"، وتحدد المادة 110 من الدستور صلاحيات القائد، وتشمل رسم السياسات العامة، والإشراف على السلطات الثلاث، وتعيين كبار المسؤولين العسكريين والقضائيين، وإعلان الحرب والسلم، وغيرها من المهام السيادية.
شروط الولي ووظائفه
يشترط في الولي أن يكون مسلمًا، مجتهدًا غير مقلد، عادلًا، عاقلًا، ذا كفاءة إدارية وسياسية، ومدركًا لمقتضيات العصر.
وتتوزع وظائفه بين:
- الدينية: صون الشريعة ونشر المعرفة الدينية.
- الإدارية والاقتصادية: إدارة مؤسسات الدولة وتحقيق التنمية.
- القضائية والاجتماعية: إقامة العدل وحماية الحقوق.
- السياسية والعسكرية: إدارة العلاقات الخارجية وقيادة القوات المسلحة.
الولاية المطلقة أم الخاصة؟
الولاية العامة المطلقة
يرى أنصار هذا الاتجاه أن للفقيه ولاية شاملة في الشؤون الدينية والدنيوية، مستندين إلى آيات قرآنية، وروايات منسوبة للأئمة، وأدلة عقلية تقوم على ضرورة وجود سلطة شرعية في كل زمان، ويعد الخميني أبرز من تبنى هذا الطرح بصيغته السياسية الكاملة.
الولاية الخاصة (المقيدة)
في المقابل، يحصر مؤيدو هذا الرأي صلاحيات الفقيه في "الأمور الحسبية" كإدارة شؤون القُصّر والأوقاف والقضاء، دون أن تمتد إلى الحكم السياسي، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه أبو القاسم الخوئي، وكذلك علي السيستاني الذي أكد أن إقامة نظام قائم على الولاية المطلقة ليست مطروحة في العراق، داعيًا إلى دور إرشادي للمرجعية بعيدًا عن تولي السلطة التنفيذية المباشرة.
بين الخصوصية والجدل المستمر
تمثل ولاية الفقيه حالة فريدة في النظم السياسية المعاصرة، إذ تمزج بين المرجعية الدينية والسلطة السيادية ضمن إطار دستوري محدد، وبين من يراها تجسيدًا لشرعية دينية في الحكم، ومن يعتبرها خروجًا عن مبدأ الفصل بين السلطات أو عن حياد الدولة، يبقى الجدل حولها مفتوحًا.
وفي المحصلة، تعكس هذه النظرية إحدى أبرز محاولات الفكر السياسي الإسلامي للإجابة عن سؤال السلطة في زمن الغيبة، فيما يستمر النقاش حول مدى قابليتها للتعميم أو بقائها نموذجًا خاصًا بالتجربة الإيرانية، في مقابل مسارات أخرى في الفكرين الإسلامي والغربي لتفسير طبيعة السلطة ومصدر مشروعيتها.





