كيف قوضت صلاحيات الكونغرس في بدء الحروب وإنهائها؟

ملخص :
في يناير/كانون الثاني الماضي، أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة من الانتقادات الحادة بعد تنفيذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا، أسفرت عن اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، دون إبلاغ الكونغرس الأميركي، وتعد انتهاكا صريحا للقانون الذي يلزم الرئيس باطلاع المشرعين على أي عمليات عسكرية خارجية، وهو ما دفع النواب الديمقراطيين إلى وصف الإجراء بأنه تجاوز صارخ للسلطات الدستورية.
دافع ترامب، من جهته، عن قراره مؤكداً أن الهدف كان منع تسرب المعلومات، قائلاً: "الأعضاء يميلون لتسريبها"، وزعم أن صلاحياته كرئيس للقوات المسلحة واسعة ولا تتطلب موافقة أحد، يعكس هذا الموقف نزاعًا مستمرًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حول تعريف السلطة في إدارة العمليات العسكرية، وهو نزاع تجسده الحرب الأميركية المستمرة على إيران منذ 28 فبراير/شباط، والتي دخلت شهرها الثاني وسط انقسام حاد في الكونغرس على خطوط حزبية.
فيما هاجم الديمقراطيون ترامب معتبرين أن تحركاته غير قانونية وتشكل تجاوزًا للصلاحيات، بينما دعم الجمهوريون الرئيس، معتبرين أن تصرفه يندرج ضمن سلطاته الدستورية، وقد فشلت أربع محاولات متكررة في مجلسي النواب والشيوخ لإقرار تشريع يقيّد الرئيس من شن هجمات دون موافقة مسبقة من السلطة التشريعية.
حرب أم عملية عسكرية؟ تفاوت المصطلحات والممارسة القانونية
في إحدى تصريحاته الأخيرة، قال ترامب إنه لن يستخدم مصطلح "الحرب" لوصف العمليات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، مفضلاً التعبير عن ذلك بـ "عملية عسكرية"، استجابة لنصائح وصفتها إدارته بأنها أكثر دقة، ورغم هذا التمييز اللغوي، تصنّف هذه الضربات وفق القانون الدولي على أنها أعمال حرب، سواء في فنزويلا أو إيران، إذ شملت حصارًا بحريًا، ضربات على مراكب، وتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي الأجنبية، بما فيها الإطاحة برئيس دولة.
الدستور الأميركي: صراع الصلاحيات بين الرئيس والكونغرس
ينص الدستور الأميركي، في المادة الأولى، على أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة المخوّلة لإعلان الحرب والإشراف على الميزانيات العسكرية، بينما تحدد المادة الثانية دور الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة، مع سلطة إدارة العمليات العسكرية والرد على الهجمات المفاجئة دون انتظار موافقة الكونغرس.
وعلى الرغم من أن الكلمة العليا في الحرب تبقى للكونغرس، شهدت السنوات الأخيرة ميلًا واضحًا نحو تعزيز سلطة الرئيس التنفيذي، إذ لم يُعلن الكونغرس حالة حرب رسمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، رغم خوض الولايات المتحدة نزاعات في كوريا، وفيتنام، والعراق، وأفغانستان، وعدد من العمليات في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية.
تاريخ التنازل عن صلاحيات الحرب: من ترومان إلى نيكسون
بدأ تخلي الكونغرس عن سلطاته مع الرئيس هاري ترومان في 1950، بعد اعتماد الأمم المتحدة إجراءً عسكريًا في كوريا، مستندًا إلى تفويض دولي، ومن ثم أقر الكونغرس قانون الإنتاج الدفاعي لتسهيل إجراءات الحرب.
لاحقًا، في أغسطس/آب 1964، أقر مجلس الكونغرس "قرار خليج تونكين" بناء على طلب الرئيس ليندون جونسون، مانحًا الرئيس تفويضًا واسعًا لاتخاذ أي تدابير يراها ضرورية في جنوب شرق آسيا، وأصبحت هذه القرارات لاحقًا أساسًا لاستمرار حرب فيتنام، التي أودت بحياة ملايين المدنيين والمقاتلين، وأدت إلى فقدان أكثر من 58 ألف جندي أميركي، رغم عدم صدور إعلان حرب رسمي.
كما كشفت وثائق لاحقة أن الرؤساء جونسون ونيكسون شنوا حروبًا سرّية على لاوس وكمبوديا، مع تزوير السجلات الرسمية لإخفاء العمليات العسكرية عن الكونغرس والرأي العام، ما أثار غضب المشرعين بعد انكشاف الحقيقة.
قانون سلطات الحرب لعام 1973: محاولة لإعادة التوازن
في مواجهة تجاوزات السلطة التنفيذية، أقر الكونغرس قانون سلطات الحرب لعام 1973 لتأكيد سلطته التشريعية، وتقييد الرئيس في استخدام القوات المسلحة خارج الأراضي الأميركية، وينص القانون على إلزام الرئيس بإبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي إجراء عسكري، وتقييد القوات العسكرية بمدة 60 يومًا قابلة للتمديد 30 يومًا إضافية، مع إمكانية استخدام الكونغرس لتقرير الانسحاب إذا لزم الأمر.
رغم ذلك، استغل الرؤساء لاحقًا ثغرات القانون، معتبرين أن العمليات الجوية أو ضربات الطائرات دون طيار لا تُعد "أعمالًا عدائية" تستلزم إخطار الكونغرس، ما أدى إلى تراجع فعالية القانون بشكل ملموس، حتى في سياق حروب مثل العراق 2003 وأفغانستان 2001، وقصف ليبيا 2011، وعمليات الناتو ضد يوغوسلافيا.
التفويضات العسكرية ومفهوم "الحرب على الإرهاب"
بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، منح الكونغرس الرئيس تفويض استخدام القوة العسكرية لمكافحة الإرهاب، الذي استُغل لشن هجمات في عشرات الدول حول العالم، بما في ذلك العراق وأفغانستان، مع تجاوز مستمر لصلاحيات الكونغرس، واستمرار ممارسة السلطة التنفيذية كما يشاء الرئيس، وهو ما يكرر نفسه اليوم في سياق الحرب على إيران.
تاريخ الولايات المتحدة الحديث يوضح تراجع سلطة الكونغرس في إعلان وإدارة الحروب، مقابل توسع متواصل للسلطة التنفيذية، فمن عمليات فيتنام إلى "الحرب على الإرهاب"، ومن العمليات السرية في لاوس وكمبوديا إلى الحروب الحالية في فنزويلا وإيران، شهدت البلاد نمطًا متكرراً من تجاوز الصلاحيات الدستورية للرؤساء، وما يجري اليوم مع ترامب ليس مجرد خلاف سياسي، بل استمرارية لأزمة تاريخية في التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تثير تساؤلات حادة حول مشروعية الحرب وإدارة القوات الأميركية في الخارج.





